محمد بن جرير الطبري
402
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
- ( 1 ) خصها الله بالذكر في القِلة ، فأخبر أنه لا يستحي أن يضرب أقلّ الأمثال في الحق وأحقرَها وأعلاها إلى غير نهاية في الارتفاع ، جوابًا منه جل ذكره لمن أنكر من منافقي خلقه ما ضرَب لهم من المثل بمُوقِد النار والصيِّب من السماء ، على ما نَعَتهما به من نَعْتهما . فإن قال لنا قائل : وأين ذكر نكير المنافقين الأمثالَ التي وصفتَ ، الذي هذا الخبر جوابه ، فنعلم أنّ القول في ذلك ما قلت ؟ قيل : الدلالة على ذلك بينة في قول الله تعالى ذكره ( 2 ) " : فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا " . وإن القوم الذين ضرَب لهم الأمثال في الآيتين المقدَّمتين - اللتين مثَّل ما عليه المنافقون مقيمون فيهما ( 3 ) ، بمُوقِد النار وبالصيِّب من السماء ( 4 ) ، على ما وصف من ذلك قبل قوله : " إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا " - قد أنكروا المثل وقالوا : ماذا أراد الله بهذا مثلا ؟ فأوضح لهم تعالى ذكره خطأ قِيلهم ذلك ، وقبّح لهم ما نطقوا به ، وأخبرهم بحكمهم في قيلهم ما قالوا منه ، وأنه ضلال وفسوق ، وأن الصواب والهدى ما قاله المؤمنون دون ما قالوه . وأما تأويل قوله : " إن الله لا يستحيي " ، فإن بعض المنسوبين إلى المعرفة بلغة العرب كان يتأول معنى " إن الله لا يستحيي " : إن الله لا يخشى أن يضرب مثلا ويستشهدُ على ذلك من قوله بقول الله تعالى : ( وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ) [ سورة الأحزاب : 37 ] ، ويزعم أن معنى ذلك : وتستحي الناسَ والله أحقُّ أن تستحيه - فيقول : الاستحياء بمعنى الخشية ، والخشية بمعنى الاستحياء ( 5 ) .
--> ( 1 ) قوله : " خصها . . " جواب قوله آنفًا : " . . لما كانت أضعف الخلق " . ( 2 ) في المطبوعة : " الدلالة على ذلك بينها جل ذكره في قوله " . ( 3 ) قوله : " فيهما " متعلق بقوله " مثل " ، أي : اللتين مثل فيهما - ما عليه المنافقون مقيمون - بموقد النار . . ( 4 ) في المطبوعة : " وبالصيب من السماء " . ( 5 ) لم أعرف قائل هذا القول من المنسوبين إلى المعرفة بلغة العرب ، ولكني رأيت أبا حيان يقول في تفسيره 1 : 121 ، يزعم أن هذا المعنى هو الذي رجحه الطبري ، ومن البين أنه أخطأ فيما توهمه ، فإن لفظ الطبري دال على أنه لم يحقق معناه ، ولم يرضه ، ولم ينصره . هذا على أني أظن أن مجاز اللفظ يجيز مثل هذا الذي قاله المنسوب إلى المعرفة بلغة العرب ، وإن كنت أكره أن أحمل هذه الآية على هذا المعنى .